تنبيه بشأن ما يلي: هذه المقدّمة تشرح خيارات اتُّخذت بالفرنسية. وحين تُذكر صيغة فرنسية، تُثبَت بالفرنسية ثم تُشرح بالعربية، لتتعرّف عليها حين تصادفها في الآيات.
أ. البسملة وترجمة الرحمٰن
جاء في لسان العرب لابن منظور أنّ الرَّحِم ما يشتمل على الولد من أعضاء التناسل، من كونه نطفةً إلى أن يصير خلقًا سويًّا. وفي الصحاح للجوهري أنّ اللفظ، وهو أوّلًا رحم المرأة، يصير كذلك بمعنى القرابة، وأنّ الرحمٰن والرحيم مأخوذان كلاهما من هذا الأصل نفسه، وهو الرحمة.
اخترتُ أن أترجم البسملة بـ«Au nom de Dieu, le Plein de grâce, le Très Miséricordieux»، أي: باسم الله، المفعم بالنعمة، البالغ الرحمة. والرحمة، في العربية، يصحّ تمامًا أن تُنقل بلفظ grâce، أي النعمة. وهذا الاختيار يجنّب استعمال لفظ miséricorde، أي «الرحمة»، مرّتين في الفرنسية. ذلك أنّ العربية لغةٌ قائمة على أصول ذات اشتقاقات متعدّدة، فتُقرأ الصيغتان المختلفتان للفظ الواحد قراءةً سلسة طبيعية. أمّا الفرنسية فتثقل ما إن تتكرّر فيها الكلمة نفسها. واستعمال grâce لا يخون معنى الرحمة في شيء — بل على العكس — ويجعل الترجمة أطبع.
ب. الله
اخترتُ أن أترجم لفظ «الله» بـDieu، أي «الإله»، على نحو مطّرد في القرآن كلّه. وإنّما اخترتُ ذلك لأنّي لا أستحسن نقل اللفظ حرفيًّا إلى الفرنسية: فذلك يوهم أنّ «إله» العربية، من حيث هي لغة، هو «إله» العرب قومًا. والله لا تحدّه لغة ولا قوم، ولا يجوز أن تحتكر لغةٌ أو قومٌ التعبير عن ذاته وجلاله — فكلّنا خلقُه وعبادُه. ثمّ إنّ استعمال نطق فاسد للفظ «الله» في لغة تُنقل فيها الهاء بحرف لا يُنطق لا يُكرم اللغة العربية ولا معنى اللفظ نفسه. ولا يجوز أن يكون الله، سبحانه، موضعَ استيلاء قبَليّ، عجميًّا كان أم عربيًّا. فأنا أستعمل لفظ Dieu، وهو أصحّ ترجمة له بالفرنسية. وكان بوسعي أن أختار الصيغة الحرفية Le Dieu، أي «الإله» معرّفًا، غير أنّها أثقل في الفرنسية؛ فآثرتُ المكافئ والاستعمال على الحرفية، وهي قاعدة أسير عليها في عملي كلّه.
ج. الربّ
لا ينهض بهذا اللفظ مقابلٌ فرنسيّ واحد، فأنقله على ما يُبرزه السياق.
فأستعمل «Seigneur»، أي «السيّد»، حيث يدلّ على الله في مقام الجلال، وهو الأكثر ورودًا، كما في الآية ٢٫٢١ حيث يُؤمر الناس بعبادة ربّهم.
وأستعمل «Maître»، أي «المولى»، حيث يكون المقام مقام خدمة. ففي الآية ١٢٫٥٠ يجتمع الاستعمالان في جملة واحدة: يذكر يوسف ربّ الرسول وهو بشر، ثمّ يذكر ربّه هو. وفي الآية ٣٫٥١ يقول عيسى إنّ الله «mon Maître et le vôtre»، أي «ربّي وربّكم»، في آية تدعو إلى العبادة.
وأستعمل «Souverain»، أي «المَلِك»، حيث تغلب السلطة على الصلة. ففي الآية ٧٫١٢١ يعلن السحرة إيمانهم بربّ العالمين في اللحظة التي يتحدّون فيها فرعون: فيقابل اللفظ سلطانًا بسلطان.
وعبارة «ربّ العالمين» نفسها تأخذ أكثر من واحد من هذه المقابلات، بحسب سياق الموضع.
د. استوى
المعنى الأوّل لأصل «س و ي» هو التسوية والاعتدال: فـ«سواء» ما تساوى، و«سوّى» أي أتمّ الخلق وعدّله. ومنه «استوى»، وهو حال ما استقام وتمّ وبلغ تمامه. وقد جمعت الآية ٢٫٢٩ بين الفعلين: فاستوى إلى السماء ثمّ سوّاهنّ سبع سماوات.
وكثير من الترجمات الفرنسية تنقل هذا الفعل بـ«s’établir»، أي «استقرّ». وقد اخترتُ «se dresser» حيث يكون الفاعل هو الله، دفعًا للتشبيه: فـ«s’établir» يوهم المقعد والهيئة، أمّا «se dresser» فيدلّ على الجهة لا على الهيئة.
فإذا تعدّى بـ«على» دلّ على الاستقرار على الشيء: il s’est dressé sur le trône (٧٫٥٤، ١٠٫٣، ١٣٫٢، ٢٠٫٥، ٢٥٫٥٩، ٣٢٫٤، ٥٧٫٤)، وvous serez installés dans l’arche (٢٣٫٢٨).
وإذا تعدّى بـ«إلى» دلّ على القصد نحو الشيء، وقد فسّره اللغويّون بـ«قصد»: il s’est tourné vers le ciel (٢٫٢٩، ٤١٫١١).
وإذا جاء مطلقًا دلّ على تمام الخلق: فموسى devint homme posé لمّا بلغ أشدّه (٢٨٫١٤)، والملَك se dressa (٥٣٫٦). وموضعان يدلّان على الثبات: السفينة التي se posa على الجوديّ (١١٫٤٤)، والزرع الذي s’affermit على سوقه (٤٨٫٢٩).
هـ. القرآن
المعنى الأوّل لأصل «قرأ»، عند ابن الأثير وابن منظور، هو الجمع والضمّ. ومن هذا المعنى تفرّع معنى القراءة جهرًا: يعرّف الراغب الأصفهاني القراءة بأنّها ضمّ الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في ترتيل مرتَّب. ولفظ «القرآن» يحمل معنى الجمع نفسه: قال الزجّاج إنّه سُمّي كذلك لأنّه يجمع السور بعضها إلى بعض في كتاب واحد. وصيغة اللفظ نفسها، «قُرآن»، على وزن «فُعلان»، تحمل معنى ما يُتلى.
اخترتُ أن أنقل هذا اللفظ بـ«Récitation»، أي «التلاوة»، على نحو مطّرد في النصّ، وإن كان لفظ «Coran» مألوفًا تمامًا في الفرنسية. وإنّما اخترتُ ذلك ليدرك القارئ معنى اللفظ فلا يفوته جوهر الكتاب، وهو قبل كلّ شيء تلاوة، بمعناه الأوّل.
و. الحروف المُقَطَّعة
تُفتتح تسع وعشرون سورة بحروف مُقَطَّعة: ألف، لام، ميم؛ ألف، لام، راء؛ حاء، ميم وغيرها. ومعناها غير مقطوع به: فقد ذهب المفسّرون فيها مذاهب كثيرة، ولم يترجّح منها شيء، ولم يرد في ذلك عن النبيّ خبر. فلم أقل فيها شيئًا في الترجمة، جريًا على القاعدة التي التزمتُها.
وأنقلها بنقلها الصوتي المتعارف عليه، ثمّ أُتبعه بالحروف الأولى بين قوسين: Alif, Lam, Mim (A, L, M)؛ Ha, Mim (H, M).
ويُستثنى العين: فليس في الفرنسية حرف لهذا الصوت، فأكتبه بتمامه حتى داخل القوسين: Kaf, Ha, Ya, ’Ayn, Sad (K, H, Y, ’Ayn, S).
وتحتفظ Ta-Ha وYa-Sin بالشرطة، إذ هما أيضًا اسمان لسورتيهما.
وإذا افتتح الحرف الواحد آيةً تتّصل به — صاد، قاف، نون — ورد من غير قوسين: Sad, par la Récitation aux multiples rappels (٣٨٫١)؛ Qaf, par la Récitation pleine de prestige (٥٠٫١)؛ Noun. Par le calame et par ce qu’ils écrivent (٦٨٫١).
ز. عناوين السور
تحمل كلّ سورة رقمها، ثمّ اسمها منقولًا صوتيًّا، ثمّ ترجمة الاسم بين قوسين: 2. Al-Baqara (La Vache).
وستّ سور بلا قوسين، إذ لا يُترجم اسمها: هود ولقمان وسبأ، وهي أعلام؛ وطه ويس وص، وهي حروف.
ح. أسماء أنبياء الله ورسله
اخترتُ أن أذكر أسماء أنبياء الله ورسله في صيغتها الفرنسية حيثما وُجد لها مقابل ثابت: Jethro لشعيب، وMoïse لموسى، وLot للوط، وAaron لهارون. وهذان الأخيران مسألة رسم أكثر منها مسألة نقل، لتقارب الصيغتين.
وإذا لم يكن للاسم مقابل في الكتب السابقة، اقتصرتُ على النقل المتعارف عليه: Salih لصالح، وHud لهود.
ويُذكر عند أوّل ورود للاسم في السورة نقلُه الفرنسي أوّلًا، ثمّ الاسم المعرَّب بين قوسين؛ ويُستعمل المعرَّب وحده في بقيّة السورة. ويُستثنى من ذلك أشهر الأنبياء: فـAbraham وMoïse وJésus ترد مباشرةً في صيغتها اللاتينية، إذ لا يفيد النقل شيئًا ويُثقل القراءة.
وبعض الأسماء أميل إلى التلميح: ذو القرنين (Zul-Qarnaïn)، وذو النون (Zul-Nun)، وغيرهما كأهل الكهف (les gens de la caverne). وقد اكتفيتُ بنقل معناها من غير تعليق. وجعلتُ لنفسي قاعدةً ألّا أُدخل التفسير في الترجمة. وقد دأبت ترجمات فرنسية كثيرة على خلاف ذلك، فأقحمت التفسير في النصّ حتى أعيا قراءته وألزمته مذهبًا بعينه.
ط. الإيمان والكفر
المعنى الأوّل لأصل «أ م ن»، عند أهل اللغة، هو طمأنينة القلب وسكون النفس وذهاب الخوف. ومن هذا الأصل تفرّع الأمن، والأمانة وهي ما يُودَع عند الثقة، والإيمان — أي، حرفيًّا، جعل الآخر في أمان ومنحه الثقة.
وعلى هذا الأساس الاشتقاقي اخترتُ أن أنقل «الذين آمنوا» بـ«ceux qui se sont confiés»، أي «الذين وثقوا وائتمنوا». فالفعل العربي «آمن» لا يتضمّن قطّ معنى الاعتقاد ولا فعل التصديق الظنّي، خلافًا لكلّ الترجمات الفرنسية للقرآن التي اطّلعتُ عليها. أمّا معنى «الظنّ» في اصطلاحي فمقصور على أصل «ظنّ»، وقد ترجمتُه بالفعل الفرنسي croire، أي «الظنّ»، في آيات مثل ٢٤٫٥٧ و٥٩٫١٤. ولا يخفى عليّ أنّ croire، أي «الاعتقاد»، قد يحمل في بعض المواضع معنى الثقة، كما في تصديق قول القائل. غير أنّ هذا المعنى نادر في الحقل الديني إن لم يكن غائبًا، إذ يغلب في الفرنسية معنى الاعتقاد، أي التسليم بالشيء من غير برهان.
ولا تأخذ مشتقّات هذا الأصل مقابلًا فرنسيًّا واحدًا. فإلى جانب «ceux qui se sont confiés»، أستعمل «les gens de foi»، أي «أهل الإيمان»، مقابلًا لـ«المؤمنين»، وأستعمل أحيانًا «ceux qui ont eu la foi»، وهو أقرب إلى «من آمنوا»، كما في الآيتين ٢٫٢٥ و٢٫٨٢. ويجري الاختيار على مقتضى السياق واتّزان الجملة، إذ يحتمل الأصل هذه الوجوه الثلاثة.
والمعنى الأوّل لأصل «ك ف ر»، عند أهل اللغة، هو التغطية والستر التامّ — ومن ثمّ سُمّي الزارع كافرًا، لأنّه يلقي البذر في الأرض فيغطّيه. والكافر، في الدين، هو الذي يغطّي أدلّة الإيمان ويسترها، لا من خلا ذهنه منها. ولذلك نقلتُ «الذين كفروا» وسائر تصاريفها بـ«ceux qui ont renié»، أي «الذين جحدوا»، تأديةً لمعنى العربية على وجهه، لا لفكرة قائمة على شكّ متحفّظ. فالعربية تنصبّ على جحود الواقعة أكثر ممّا تنصبّ على إرادة عدم تصديقها. وهنا يكمن الفرق كلّه مع المفهومين المسيحيَّين للاعتقاد وعدمه، المستعمَلَين في كلّ ترجمات القرآن التي أعرفها.
ي. الصلاة والزكاة
الصلاة: معناها الأوّل عند أهل اللغة معنًى تشريحيّ، وهو العظمان عن جانبَي أصل الذنب. وفي كلام أهل الخيل تفرّعت من هذا الأصل صورة الثاني الذي يتبع الأوّل من قريب. والفعل «صلّى»، في الشعر الجاهلي، بمعنى الدعاء والتضرّع. والزكاة: عند ابن الأثير وابن منظور، يجمع معناها الأوّل بين النماء والطهارة والبركة — فالفعل «زكا» بمعنى نما وأثمر، والرجل الزكيّ هو الطاهر.
وعلى أساس هذين الاشتقاقين اخترتُ أن أنقل الصلاة بـ«Dévotion»، أي «التعبّد»، لا بـ«prière»، أي «الدعاء». فاللفظ يتجاوز مجرّد الدعاء الذي يؤدّيه لفظ «دعاء» في مواضع أخرى من النصّ، ويقتضي التفرّغ له بالبدن والروح. ونقلتُ الزكاة بـ«Contribution»، أي «الإسهام»، لا بـ«aumône»، أي «الصدقة»، إبرازًا لطابعها الاجتماعي العلني — في مقابل الصدقة، التي ترجمتُها بـ«aumône»، كما في ٦٣٫١٠ و٢٫٢٦٣ و٢٫٢٦٤. وهذا الأصل نفسه (ص د ق) يعود في القرآن في صيغة «الصدّيق»، وقد وُصف بها نبيّ الله يوسف (١٢٫٤٦) ثمّ مريم أمّ المسيح (٥٫٧٥)، وفي صيغة الفعل «تصدّق» (١٢٫٨٨). وليس هذا التقارب عارضًا: فهو يُظهر الصلة، في اللغة ذاتها، بين فعل الإيمان والصدق والإسهام المفروض، ماليًّا كان أم أخلاقيًّا.
على أنّ لفظ الصلاة لا يلزم فيه معنى «Dévotion» في كلّ موضع. فالفاعل في الآية ٣٣٫٥٦ هو الله وملائكته، فالحركة فيها نازلة لا صاعدة، ونقلتُه هناك بـ«se penchent»، أي ما معناه الميل والإقبال. واللفظ متداول في الفرنسية، يستحضر لدى قارئها مشهدًا مألوفًا من الأناجيل، ولا يخلّ بالمعنى العربي. وأمّا الموضع الثاني من الآية نفسها فنقلتُه بـ«prier sur»، أي «يصلّون على».
ك. الجنة والنار
«الجنّة» هي البستان يستر ورقه أرضه، من الأصل الذي منه «الجنّ». و«النار» على ظاهرها، لا تحتاج إلى بيان. وسائر الأسماء يدلّ كلّ منها على وجه من أوجه النار: فـ«السعير» ما أُوقد وأُضرم؛ و«الجحيم» ما اشتدّ حرّه وتضاعف؛ و«سقر» ردّها لسان العرب إلى «سقرته الشمس»، أي لوّحته، ونقل عن أبي بكر الأنباري أنّها قد تكون اسمًا أعجميًّا لا يُعرف له اشتقاق. وأمّا «جهنم» فمختلف فيها: فقيل هي من «بئر جهنام» البعيدة القعر، فتكون عربية؛ وجعلها الراغب الأصفهاني في المفردات فارسيّةً معرَّبة عن «جهنام»، ونقل عن أبي مسلم «كهنّام» بالعبرانية؛ وأجمل السيوطي في المهذب هذه الأقوال.
وعلى هذا الأساس الاشتقاقي أنقل اللفظين على ظاهرهما في مواضع كثيرة، حين يقتضي السياق ذلك: فـ«les jardins»، وهما جنّتا سبإ عن يمين المساكن وشمالها، وقد بدّلهما السيل جنّتين ذواتَي أُكُلٍ خَمْط (٣٤٫١٥-١٦)؛ و«le feu»، وهو النار التي آنسها موسى ليلًا وأراد أن يأتي منها بقبس (٢٠٫١٠). وفيما سوى ذلك أستعمل «le Paradis»، أي «الجنة»، و«l’Enfer»، أي «النار»، وهما أشيع اللفظين في الفرنسية.
وأمّا الأسماء الخاصّة بالنصّ فأكتفي بنقلها صوتيًّا: Firdaws (فردوس)، وSalsabil (سلسبيل)، وTasnim (تسنيم).
وأمّا أسماء النار على اختلاف أوصافها فلكلٍّ منها ترجمة ألتزمها في النصّ كلّه: «la Géhenne» لجهنم، و«le brasier ardent» لسعير، و«la Fournaise» للجحيم، و«les flammes dévorantes» لسقر.
وإذا لم يكن للاسم مقابل فرنسي، أثبتُّ صورته العربية بين قوسين عند أوّل وروده في كلّ سورة، كما في سقر في الآيتين ٥٤٫٤٨ و٧٤٫٢٦.
ل. الفتنة والبلاء والامتحان
ثلاثة أصول تدلّ على الابتلاء. فـ«ب ل و» يدلّ أوّلًا على البِلى: قال الفيّومي في المصباح المنير: «بلي الثوب يبلى... أي خلق»، ومنه الاختبار الذي يُظهر قدر الشيء.
و«ف ت ن» يدلّ على فتن المعدن بالنار: جعله ابن فارس في مقاييس اللغة «أصلًا صحيحًا يدلّ على ابتلاء واختبار»، وأورد «فتنتُ الذهب بالنار إذا امتحنته»؛ وزاد الراغب الأصفهاني في المفردات أنّ أصله «إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته».
وأمّا «م ح ن» فعلى حدة: عدّها ابن فارس «كلمات ثلاث على غير قياس»، أُولاها «المَحْن: الاختبار». وتذكر المعاجم أيضًا «محن الأديم» أي مدّده حتى وسّعه، وبه فسّر بعضهم الآية ٤٩٫٣.
وعلى هذا فـ«البلاء» هو ما يبتلي الله به عبده، حسنًا كان أم شدّةً، فاللفظ لا يقطع بأحدهما. وقد صرّح بذلك الراغب: إذ يبتلي الله عباده تارةً بالمسارّ ليشكروا، وتارةً بالمضارّ ليصبروا، «فصارت المحنة والمنحة جميعًا بلاءً، فالمحنة مقتضية للصبر، والمنحة أعظم البلاءين».
وأنقله بحسب الآية: épreuve (٨٫١٧، ٤٤٫٣٣)، وtourment (٢٫٤٩)، وchâtiment (٧٫١٤١)، وbienfait حيث يكون البلاء نعمةً (١٤٫٦). وأمّا الفعل «ابتلى» فمطّرد: أنقله دائمًا بـéprouver.
و«الفتنة» تدلّ على الابتلاء الواقع وعلى الاضطراب المُثار جميعًا، فتأخذ أكثر من مقابل: épreuve في خمسة عشر موضعًا؛ وsédition حيث يُقصد تفريق الصفّ (٤٫٩١، ٨٫٣٩، ٢٤٫٦٣، ٣٣٫١٤)؛ وpersécution (٢٫١٩٣)، وdiscorde (٣٫٧)، وoppression et grand désordre (٨٫٧٣).
و«امتحن» لم يرد إلّا في موضعين: قوله إنّ الله a examiné les cœurs (٤٩٫٣)، والأمر بأن mettre à l’épreuve المهاجرات (٦٠٫١٠).
م. الأمّيّون
لفظ يدلّ على من لم يؤتوا كتابًا قبل القرآن — في مقابل أهل الكتاب من اليهود والنصارى والصابئة والمجوس (٢٢٫١٧) —، في الآيات ٢٫٧٨ و٣٫٢٠ و٣٫٧٥ و٦٢٫٢. ويشترك هذا الجمع في الأصل مع «النبيّ الأمّيّ» (انظر الحاشية المتعلّقة ببكّة)، وهو ما تنقله هذه الترجمة بـ«le Prophète de la mère des cités»، أي «نبيّ أمّ القرى». وليس بالقراءة الغالبة «الذي لا يقرأ ولا يكتب». واللفظ الفرنسي «Primo-citadins»، أي «أوّلو المدينة»، يجري على المنطق نفسه: أهل المدينة الأمّ، لا من لا يقرؤون ولا يكتبون.
ن. الجنّ
المعنى الأوّل لأصل «ج ن ن» هو ما استتر عن العين. جعله ابن فارس في مقاييس اللغة «أصلًا واحدًا وهو الستر والتستّر»، وأخرج منه «الجنّة» أي البستان، «لأنّ الشجر بورقه يستر». ومن الأصل نفسه «الجنون»، وهو العقل المحجوب، و«الجنّ»، وهم من غابوا عن الأبصار. فليس في الاسم دلالة على طبيعتهم، بل على احتجابهم عن الحواسّ.
وعلى هذا الاشتقاق نقلتُ هذا اللفظ إلى «génies»، وهو لفظ مألوف تمامًا في الفرنسية وإن تعدّدت معانيه. واستعماله يتجنّب نقلًا صوتيًّا قد يوهم أنّ الأمر يتعلّق بكائنات من معتقدات أجنبية عن النصّ، لا بصنف من الخلق ورد ذكره في النصّ نفسه.
س. الإنسان والبشر
قال ابن فارس في الصاحبي في فقه اللغة إنّ «اسم الجنّ مشتقّ من الاجتنان»، وإنّ «الإنس من الظهور»، يقال: «آنستُ الشيء» أي أبصرتُه. فالجنسان مسمَّيان بالرؤية: المستترون والظاهرون.
وأمّا «الإنسان» فيتردّد فيه اللغويّون بين «الأنس» أي الألفة، و«النسيان»، ومنه ما رُوي عن ابن عبّاس أنّه سُمّي إنسانًا لأنّه عُهد إليه فنسي. ففي النصّ ألفاظ عدّة للدلالة على الإنسان، وأنا أفرّق بينها في النقل.
و«بنو آدم» أنقله بـ«les fils d’Adam»، وهو نداء يخاطب به النصّ الناس أجمعين.
فـ«الإنسان» يدلّ على الإنسان في حاله، ضعيفًا نسّاءً. واللفظ يشمل الذكر والأنثى في صيغته، وليس في الفرنسية لفظ محايد، فتنقله بصيغة المذكّر. وأنقله تارةً بـ«l’être humain» وتارةً بـ«l’Homme»، بحسب اتّزان الجملة.
و«الإنس» أنقله بـ«les Hommes»، وهو يرد في الغالب، كما يدلّ الاشتقاق، في مقابل «les Génies»، وهما الجنسان اللذان يخاطبهما القرآن.
و«بشر» يدلّ على الإنسان في بدنه، وهو من مادّة «البشرة». فأنقله بـ«un être de chair»، أي «كائن من لحم ودم»، حيث يكون المقصود هذه الحال البدنية: je ne suis qu’un être de chair comme vous (١٨٫١١٠). و«un homme»، أي «رجل»، حيث يدلّ على فرد بعينه: nul homme ne m’a touchée (٣٫٤٧).
والحرف الكبير يدلّ في كلّ موضع على الجنس، مفردًا كان أو جمعًا: l’Homme، les Hommes، les Génies — ولو كان الخطاب من الله إليه: Ô assemblée de Génies (٦٫١٢٨). فإذا صُغّر دلّ على فرد أو على الذكور: certains hommes parmi les Génies (٧٢٫٦)، un génie indomptable (٢٧٫٣٩).
ع. الشيطان والشياطين
اختلف اللغويّون في «شيطان»، ومدار الخلاف على النون. فمن جعلها أصليّةً ردّ اللفظ إلى «شطن» أي بَعُد: عدّ ابن فارس في مقاييس اللغة «الشين والطاء والنون أصلًا مطّردًا صحيحًا يدلّ على البعد»، وقال الفراهيدي في كتاب العين: «والشيطان فيعال من شطن، أي بَعُد». ومن جعلها زائدةً ردّ اللفظ إلى «شاط» أي احترق أو هلك، فيكون على وزن فَعْلان. وذكر ابن كثير أنّ القولين صحيحان، والأوّل أصحّ.
و«إبليس» من «أبلس» أي يئس: قال الفراهيدي إنّه «سُمّي إبليس لأنّه أُبلس من الخير أي أُويس»، وعدّ ابن فارس هذا الأصل من اليأس. ويبقى الاسم على حاله في ترجمتي، إذ لا مقابل فرنسيّ ثابت له.
«الشيطان» بالتعريف أنقله بـ«Satan»، وهو عَلَم على الخصم المسمّى. فإذا ورد نكرةً موصوفًا دلّ على واحد منهم، فأنقله بـ«un démon»: tout démon banni (١٥٫١٧)، tout démon rebelle (٣٧٫٧).
وجمعه «الشياطين» أنقله بـ«les démons».
ف. أسماء أخرى
وتجري القاعدة نفسها المذكورة في (ح) على من ليسوا أنبياء ولا رسلًا: جالوت، وتسمّيه الفرنسية Goliath، وكذلك فرعون وقارون وغيرهم.
وبالله التوفيق